مؤشر مناخــــــ للاستدامة 2024
قطاع البنوك
الاستدامة في البنوك الكويتية: ريادة في الحوكمة وتحديات بيئية تتطلب التسريع
يُعد القطاع المصرفي الكويتي من أبرز القطاعات أداءً في مجال الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة، حيث يضم تسعة بنوك رئيسية تم تقييمها وفق معايير الاستدامة لعام 2024. يُظهر القطاع مستوى متقدماً من النضج في تطبيق ممارسات الاستدامة مقارنة بالقطاعات الأخرى، مع تحقيق متوسط درجة نهائية بلغت 73.21 نقطة بتصنيف A، وهو ما يعكس التزاماً جاداً بمعايير الاستدامة والمسؤولية المؤسسية. يتصدر القطاع البنك الوطني الكويتي بتصنيف AA+ ودرجة استثنائية بلغت 87.75، يليه بنك برقان وبنك بوبيان بتصنيف AA، مما يضع ثلث البنوك في أعلى مستويات التصنيف.
يكشف التحليل التفصيلي عن تفاوت ملحوظ في الأداء بين البنوك، حيث حقق ستة بنوك تصنيفات تتراوح بين AA+ وA، بينما يواجه ثلاثة بنوك تحديات في تطبيق معايير الاستدامة بتصنيفات BBB وB. يتميز البنك الوطني الكويتي بأداء استثنائي عبر جميع المحاور، محققاً 91.5 نقطة في البيئة و84.0 في الجانب الاجتماعي و89.5 في الحوكمة، مما يجعله النموذج الرائد ليس فقط في القطاع المصرفي بل على مستوى جميع القطاعات المُقيّمة. يليه بنك برقان ببصمة قوية في الأداء البيئي بدرجة 85.0، وبنك بوبيان بتميز بيئي بلغ 87.5 نقطة، مما يعكس التزام البنوك الرائدة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
الأداء البيئي
على صعيد الأداء البيئي، سجل القطاع متوسطاً قدره 63.50 نقطة، وهو أعلى بكثير من قطاع الخدمات المالية غير المصرفية، لكنه لا يزال يمثل التحدي الأكبر للقطاع. تتفاوت الدرجات البيئية بشكل كبير بين البنوك، حيث تتراوح من 91.5 نقطة للبنك الوطني إلى 37.0 نقطة لبنك الكويت الدولي. تتميز البنوك الثلاثة الأولى بممارسات بيئية متقدمة تشمل استراتيجيات واضحة للحياد الكربوني، وبرامج كفاءة الطاقة، ومبادرات التمويل الأخضر. في المقابل، تعاني البنوك الأخرى من ضعف الإفصاح البيئي وغياب استراتيجيات شاملة لإدارة الأثر البيئي، خاصة بيت التمويل الكويتي والبنك التجاري الكويتي اللذان سجلا درجات بيئية منخفضة نسبياً رغم تصنيفهما الإجمالي A.
يُظهر القطاع أداءً قوياً على الصعيد الاجتماعي بمتوسط 74.28 نقطة، حيث تتميز معظم البنوك ببرامج تطوير الموظفين ومبادرات المسؤولية الاجتماعية. يتصدر البنك الوطني الكويتي بدرجة 84.0، يليه بنك برقان بـ 81.0 وبيت التمويل الكويتي بـ 78.5 نقطة. تشمل نقاط القوة الاجتماعية برامج التدريب والتطوير المهني، ومبادرات دعم المجتمع المحلي، وسياسات التنوع والشمول. لكن يبقى هناك مجال للتحسين في تعزيز تمثيل المرأة في المناصب القيادية العليا، وتوسيع برامج رفاه الموظفين، وزيادة الأثر المجتمعي من خلال مبادرات الشمول المالي والتمويل الأصغر.
أما في مجال الحوكمة، فيحقق القطاع أفضل أداء بمتوسط 77.78 نقطة، مما يعكس نضج الهياكل المؤسسية والالتزام بمعايير الشفافية والامتثال. يتفوق البنك الوطني الكويتي بدرجة 89.5، يليه بيت التمويل الكويتي بـ 84.5 وبنك برقان بـ 83.0 نقطة. تتميز البنوك الرائدة بمجالس إدارة متنوعة ومستقلة، وسياسات واضحة لإدارة المخاطر، وأطر قوية للامتثال التنظيمي، وآليات فعالة لمكافحة الفساد وغسل الأموال. لكن تحتاج بعض البنوك لتعزيز استقلالية اللجان التنفيذية وتحسين الإفصاح عن المخاطر المتعلقة بالاستدامة.
يواجه القطاع تحديات متعلقة بالمخاطر والجدل، حيث تعرضت ستة بنوك من أصل تسعة لخصومات تتراوح بين 0.5 و1.5 نقطة، مما يعكس وجود قضايا تنظيمية أو جدل محدود. يتطلب ذلك تعزيز آليات إدارة المخاطر والامتثال، وتحسين التواصل مع أصحاب المصلحة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر للقضايا المحتملة.
تتطلب الريادة المستدامة للقطاع المصرفي التركيز على عدة محاور استراتيجية. أولاً، تعميق التحول الأخضر من خلال توسيع محفظة التمويل الأخضر والسندات الخضراء، ودمج معايير المناخ في قرارات الائتمان والاستثمار. ثانياً، تعزيز الشمول المالي من خلال تطوير منتجات مصرفية مبتكرة للفئات المحرومة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ثالثاً، تبني معايير الإفصاح الدولية مثل إطار فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ والتوافق مع المبادرة العالمية لإعداد التقارير. رابعاً، تطوير القدرات البشرية في مجال الاستدامة من خلال برامج تدريب متخصصة وتعيين خبراء في الاستدامة والتمويل الأخضر.
يمتلك القطاع المصرفي الكويتي أساساً قوياً للريادة الإقليمية في الاستدامة، مع وجود نماذج رائدة مثل البنك الوطني الكويتي وبنك برقان وبنك بوبيان. لكن تحقيق هذه الريادة يتطلب التزاماً استراتيجياً طويل المدى، واستثمارات كبيرة في التحول الأخضر، وتعاوناً وثيقاً مع الجهات التنظيمية لتطوير إطار تنظيمي داعم للتمويل المستدام.
وقد تصدّر بنك الكويت الوطني قائمة البنوك الكويتية بنتيجة نهائية بلغت 79.6 نقطة، محققًا تصنيف (+A)، وذلك بفضل أدائه المتوازن عبر مختلف المحاور، مسجلًا 78.5 في البيئة، 83.0 في المجتمع، و83.0 في الحوكمة. ويعكس هذا الأداء التزام البنك بتطبيق ممارسات رائدة في إدارة الموارد، وتعزيز مساهمته المجتمعية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
في المرتبة الثانية، جاء بيت التمويل الكويتي بنتيجة نهائية قدرها 78.5 نقطة، متميزًا في محور الحوكمة (84.0)، مع أداء جيد في الجوانب البيئية (73.0) والاجتماعية (78.0). وتبرز هذه النتائج اهتمام البنك بتعزيز البنية المؤسسية الرشيدة وتوسيع جهوده في مجالات الاستدامة البيئية والاجتماعية.
أما بنك برقان، فقد حقق نتيجة بلغت 75.45 نقطة، مع أداء متوازن نسبيًا، حيث سجّل 69.5 في البيئة، 78.5 في المجتمع، و81.0 في الحوكمة، وهو ما يدل على سعيه المستمر لتطوير سياساته البيئية والاجتماعية، بالتوازي مع الحفاظ على مستوى متقدم من الحوكمة المؤسسية.
وفي الفئة المتوسطة من المؤشر، جاءت بنوك مثل وربة، والأهلي الكويتي، وبوبيان، حيث تراوحت نتائجهم النهائية بين 71.95 و 72.5 نقطة. وتميّز البنك الأهلي الكويتي بأعلى نتيجة في المحور البيئي (80.0)، في حين برز بنك بوبيان في المحور الاجتماعي (79.5)، مع الحاجة إلى تعزيز الأداء البيئي (55.5). أما بنك وربة فحقق توازنًا نسبيًا في الأداء، مع نتائج مستقرة في مختلف المحاور.
في المقابل، سجّلت بنوك مثل التجاري الكويتي، الكويت الدولي، وبنك الخليج نتائج دون المتوسط، حيث لم تتجاوز نتائجهم النهائية 63.85 نقطة، ويرجع ذلك أساسًا إلى ضعف الأداء في الجانبين البيئي والاجتماعي، رغم تحقيقهم نتائج مقبولة في الحوكمة. فعلى سبيل المثال، سجّل البنك التجاري الكويتي 47.5 في البيئة و62.0 في المجتمع، في حين بلغ أداء بنك الخليج 48.0 و 68.5 على التوالي، وبنك الكويت الدولي58.5 و 57.0.
مخاطر الجدل
من جانب آخر، يأخذ المؤشر بعين الاعتبار “مخاطر الجدل” التي قد تؤثر على استدامة المؤسسات المالية، حيث تطبق خصومات على النتيجة النهائية عند وجود قضايا تنظيمية أو سلوكية مؤثرة، وقد انعكس ذلك في خصم نقاط إضافية من تقييم بنك الكويت الدولي وبنك الخليج، بينما حافظت البنوك المتصدرة على خصومات محدودة، ما ساهم في تعزيز تصنيفها.
وتكشف هذه النتائج عن نضج ملحوظ في التزام البنوك الكويتية بالحوكمة والمسؤولية المجتمعية، إلا أن التحديات البيئية ما تزال قائمة، وتتطلب استثمارات واستراتيجيات أكثر فاعلية. كما تبرز أهمية إدارة المخاطر والشفافية في تعزيز ثقة المساهمين والعملاء وضمان استمرارية الأداء المستدام.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تصاعدًا في تنافسية البنوك الكويتية ضمن مؤشرات الاستدامة، بالتوازي مع توجه عالمي متزايد نحو دمج مبادئ الاستدامة كجزء لا يتجزأ من التقييم المالي والسمعة المؤسسية للقطاع المصرفي.