دراسة
الطريق الطويل نحو الاستدامة: تقييم جهود البنك الأهلي الكويتي لعام 2024
يهدف التقرير الذي أعدته شركة مناخ للدراسات والبحوث إلى تحليل وتقييم تقرير الاستدامة الصادر عن البنك الأهلي الكويتي لعام 2024، وذلك من خلال مقارنته بالمعايير والممارسات الدولية المعتمدة في القطاع المصرفي، ويكشف التحليل عن وجود فجوات جوهرية في مستوى الالتزام بمعايير الاستدامة الدولية، رغم وجود بعض المبادرات الإيجابية المحدودة، كما يتناول التقرير الجوانب البيئية والاجتماعية والحوكمة، بالإضافة إلى مستوى الشفافية والإفصاح المطبق.
تم إجراء هذا التحليل بناءً على مراجعة شاملة لتقرير استدامة البنك الأهلي الكويتي لعام 2024، ومقارنته بالمعايير الدولية المعتمدة في مجال الاستدامة المصرفية، بما في ذلك معايير المبادرة العالمية لإعداد التقارير (GRI)، ومعايير مجلس معايير المحاسبة للاستدامة (SASB)، وتوصيات فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ (TCFD)، بالإضافة إلى أفضل الممارسات المطبقة في البنوك الرائدة إقليمياً وعالمياً.
الأداء البيئي: تحديات في الالتزام المناخي
غياب الاستراتيجية المناخية الشاملة
يفتقر تقرير البنك الأهلي الكويتي إلى وجود استراتيجية مناخية واضحة ومحددة الأهداف، إذ لا يتضمن التقرير أي إشارة إلى التزامات طويلة المدى لتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، وهو ما يعتبر معياراً أساسياً في القطاع المصرفي العالمي. كما يغيب عن التقرير وضع خطة انتقال مناخي تفصيلية تحدد الخطوات والمراحل الزمنية للوصول إلى الأهداف المناخية.
تشير المعايير الدولية، وتحديداً توصيات فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، إلى ضرورة قيام المؤسسات المالية بتقييم وإفصاح شامل عن المخاطر والفرص المناخية التي تواجهها، إلا أن تقرير البنك الأهلي الكويتي لا يتضمن مثل هذا التقييم، مما يشير إلى فجوة كبيرة في فهم وإدارة التعرض للمخاطر المناخية.
محدودية التمويل المستدام
تكشف البيانات المتاحة في التقرير عن محدودية شديدة في حجم التمويل المخصص للمشاريع المستدامة والخضراء، حيث يشكل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة نسبة 1.20% فقط من إجمالي المحفظة الائتمانية، وهي نسبة متدنية جداً مقارنة بالمعايير الدولية التي تشير إلى ضرورة تخصيص ما بين 15% إلى 25% من المحفظة الائتمانية للتمويل المستدام في البنوك الرائدة عالمياً.
لا يوضح التقرير وجود منتجات مصرفية خضراء متخصصة، مثل القروض الخضراء أو السندات المستدامة، والتي تعتبر أدوات أساسية في تعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر. كما يغيب عن التقرير أي إشارة إلى خطط لتطوير مثل هذه المنتجات في المستقبل القريب.
قصور في قياس الأثر البيئي
رغم أن التقرير يتضمن بعض البيانات حول انبعاثات الكربون، إلا أن هذه البيانات تبدو محدودة وغير شاملة، إذ تشمل البيانات المتاحة انبعاثات النطاق الأول بحجم 8.73 طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وانبعاثات النطاق الثاني بحجم 11,318.79 طن، وانبعاثات النطاق الثالث بحجم 1,693.31 طن، إلا أن هذه البيانات لا تشمل قياس الانبعاثات الممولة من خلال المحفظة الائتمانية، والتي تعتبر جزءاً أساسياً من البصمة الكربونية للمؤسسات المالية وفقاً لبروتوكول محاسبة الكربون للمؤسسات المالية.
يفتقر التقرير أيضاً إلى مؤشرات بيئية أخرى مهمة مثل استهلاك المياه وإنتاج النفايات وإعادة التدوير، والتي تعتبر جزءاً من التقييم البيئي الشامل وفقاً للمعايير الدولية.
الأداء الاجتماعي: جهود محدودة النطاق
الشمول المالي والوصول للخدمات
يظهر التقرير جهوداً محدودة في مجال الشمول المالي، حيث يشير إلى تجهيز ستة فروع فقط لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة من إجمالي شبكة فروع البنك، وهذا العدد يعتبر متدنياً نسبياً ولا يعكس التزاماً قوياً بتعزيز الوصول للخدمات المصرفية لجميع فئات المجتمع.
كما يفتقر التقرير إلى وجود برامج شاملة للشمول المالي تستهدف الفئات المهمشة أو ذات الدخل المحدود، والتي تعتبر أولوية في مبادئ الأمم المتحدة للخدمات المصرفية المسؤولة، ولا يتضمن التقرير مؤشرات واضحة لقياس الأثر الاجتماعي لهذه الجهود أو خطط لتوسيعها مستقبلاً.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة
تشير البيانات إلى أن نسبة تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة تبلغ 1.20% فقط من إجمالي المحفظة الائتمانية، وهي نسبة منخفضة جداً مقارنة بالدور المتوقع للبنوك في دعم هذا القطاع الحيوي، إذ تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، ولذلك فإن محدودية الدعم المقدم لها يعكس فجوة في الأثر الاجتماعي للبنك.
لا يوضح التقرير وجود برامج تمويل متخصصة للمشاريع ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي أو المشاريع التي تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والتي تعتبر جزءاً من الاستثمار المؤثر وفقاً للمعايير الدولية.
الحوكمة: فجوات في الهيكل والإشراف
حوكمة الاستدامة على مستوى الإدارة العليا
يفتقر التقرير إلى معلومات واضحة حول وجود لجنة متخصصة في الاستدامة على مستوى مجلس الإدارة، أو تحديد مسؤوليات واضحة لأعضاء المجلس في الإشراف على قضايا الاستدامة، هذا الغياب يتعارض مع أفضل الممارسات الدولية التي تؤكد على ضرورة وجود حوكمة قوية للاستدامة على أعلى المستويات في المؤسسة.
إدارة مخاطر الاستدامة
لا يوضح التقرير بشكل كافٍ كيفية دمج مخاطر الاستدامة، وخاصة المخاطر المناخية، في إطار إدارة المخاطر الشامل للبنك، ويغيب عن التقرير أي إشارة إلى إجراء اختبارات الضغط المناخي على المحفظة الائتمانية، والتي تعتبر متطلباً أساسياً وفقاً لتوجيهات لجنة بازل وسلطات الرقابة المصرفية الدولية.
كما لا يتضمن التقرير تقييماً لمخاطر السمعة المرتبطة بقضايا الاستدامة، أو وضع آليات للتعامل مع هذه المخاطر، رغم أهميتها المتزايدة في البيئة المصرفية الحديثة.
الشفافية والإفصاح: قصور في المعايير المطلوبة
عدم الالتزام بمعايير الإفصاح الدولية
يظهر تحليل التقرير عدم التزام واضح بالمعايير الدولية المعتمدة لإعداد تقارير الاستدامة، إذ لا يتبع التقرير إطار عمل المبادرة العالمية لإعداد التقارير، كما لا يتضمن الإفصاحات المطلوبة وفقاً لمعايير مجلس معايير المحاسبة للاستدامة الخاصة بالقطاع المصرفي.
يفتقر التقرير إلى الهيكل والعمق المطلوبين في تقارير الاستدامة المعاصرة، حيث تتراوح تقارير البنوك الرائدة عالمياً بين 100 إلى 150 صفحة، بينما يبدو تقرير البنك الأهلي الكويتي محدود الحجم والمحتوى.
نقص في البيانات والمؤشرات
يعاني التقرير من نقص واضح في البيانات الكمية والمؤشرات القابلة للقياس، ولا يتضمن التقرير مقارنات مع السنوات السابقة، مما يجعل من الصعب تقييم التقدم المحرز أو الاتجاهات في الأداء، كما يفتقر إلى وضع أهداف مستقبلية محددة وقابلة للقياس، والتي تعتبر عنصراً أساسياً في تقارير الاستدامة الفعالة.
لا يشير التقرير إلى خضوع البيانات المقدمة للتدقيق أو التحقق من جهة خارجية مستقلة، وهو ما يعتبر معياراً مهماً لضمان موثوقية ودقة المعلومات المفصح عنها.
الخلاصة
يكشف التحليل المتعمق لتقرير استدامة البنك الأهلي الكويتي لعام 2024 عن وجود فجوات جوهرية في مستوى الالتزام بالمعايير والممارسات الدولية للاستدامة المصرفية، ورغم وجود بعض المبادرات الإيجابية، مثل التحول إلى الإضاءة الموفرة للطاقة وحملات تنظيف الشواطئ، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة النطاق ولا ترقى إلى مستوى التحدي الذي تواجهه المؤسسات المالية في عصر التغير المناخي.
يفتقر التقرير إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة والأهداف الطموحة التي تتماشى مع الاتجاهات العالمية في القطاع المصرفي، كما يعاني من نقص في الشفافية والإفصاح، وعدم الالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة لإعداد تقارير الاستدامة.
تشير هذه النتائج إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة لنهج البنك تجاه الاستدامة، بدءاً من وضع استراتيجية واضحة ومحددة الأهداف، وانتهاءً بتطوير آليات القياس والإفصاح لتتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، والتأخر في هذا التطوير قد يؤثر على القدرة التنافسية للبنك في المستقبل، خاصة مع تزايد اهتمام المستثمرين والمنظمين بقضايا الاستدامة.