دراسة
مؤشر مناخ للاستدامة 2024: البنك الوطني الكويتي يتصدر والقطاع المالي يقود التحول نحو الاستدامة
- فجوة كبيرة بين الشركات الرائدة والمتأخرة تستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات التنظيمية
- شركات الاتصالات والبنوك تقود موجة التحسن بقفزات تتجاوز 10 نقاط
- قفزات نوعية لـ 8 شركات تعكس تنامي الوعي بالاستدامة في السوق الكويتي
في خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية والمساءلة البيئية والاجتماعية والحوكمة في السوق الكويتي، أعلن مؤشر مناخ للاستدامة عن نتائج تقييمه الشامل لأداء الشركات الكويتية في مجال الاستدامة لعام 2024، والذي شمل 26 شركة عاملة في الكويت عبر ست قطاعات اقتصادية رئيسية.
وكشفت النتائج عن تصدر البنك الوطني الكويتي قائمة الشركات الأكثر التزاماً بمعايير الاستدامة، محققاً تصنيف AA+ بدرجة نهائية بلغت 87.75 نقطة، متفوقاً في الأداء البيئي بدرجة 91.5، والاجتماعي بدرجة 84.0، والحوكمة بدرجة 89.5. ويعكس هذا الإنجاز التزام البنك الوطني بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في مجال الاستدامة، بما في ذلك خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 28.3% مقارنة بخط الأساس لعام 2021، وإصدار أول سندات خضراء كويتية بقيمة 500 مليون دولار.
وجاء في المركز الثاني بنك برقان بتصنيف AA ودرجة 82.30، مسجلاً أداءً متميزاً في الحوكمة والشفافية، حيث حصل على شهادة LEED الذهبية لمقره الرئيسي، وحقق انخفاضاً بنسبة 27% في استهلاك الكهرباء منذ عام 2022. فيما حلت مجموعة زين للاتصالات في المركز الثالث بتصنيف AA ودرجة 81.40، متميزة بأدائها البيئي الاستثنائي بدرجة 90.0، بفضل اعتماد أهدافها المناخية من قبل مبادرة الأهداف القائمة على العلم (SBTi) والتزامها بخفض الانبعاثات بنسبة 42% بحلول 2030.
قصص نجاح ملهمة
وفي تطور لافت يعكس تنامي الوعي بأهمية الاستدامة، كشفت المقارنة السنوية بين نتائج 2023 و2024 عن تحقيق عدد من الشركات الكويتية قفزات نوعية في أدائها، مما يؤكد أن التحول نحو الاستدامة ليس حكراً على الشركات الكبرى فحسب.
وتصدرت شركة هيومن سوفت قائمة الشركات الأكثر تحسناً، محققة قفزة استثنائية بلغت 25.15 نقطة، منتقلة من تصنيف C بدرجة 30.1 في 2023 إلى تصنيف B بدرجة 55.25 في 2024. وجاء هذا التحسن الكبير نتيجة تطوير شامل في المحاور الثلاثة، حيث ارتفع الأداء البيئي بـ 28 نقطة، والاجتماعي بـ 27.5 نقطة، والحوكمة بـ 17.5 نقطة، مما يعكس التزاماً جاداً بتبني ممارسات استدامة أكثر شمولية.
وفي قطاع الاتصالات، حققت stc الكويت تحسناً ملحوظاً بـ 14.7 نقطة، منتقلة من تصنيف BB (60.0) إلى A (74.7)، مدفوعة بتحسن بيئي قوي بلغ 18.5 نقطة، وتطور اجتماعي بـ 13.5 نقطة. وبالمثل، حققت أوريدو الكويت قفزة بـ 13.25 نقطة من BB إلى A، مع تحسن بيئي استثنائي بلغ 19 نقطة، مما يعكس التزام شركات الاتصالات بخفض البصمة الكربونية وتعزيز الشمول الرقمي.
أما في القطاع المالي، فبرزت كامكو إنفست بتحسن قدره 10.25 نقطة، منتقلة من BB إلى A، مع قفزة بيئية مذهلة بلغت 36 نقطة، مما يشير إلى تبني استراتيجيات بيئية طموحة وتعزيز الإفصاحات المناخية.
وحقق بنك بوبيان تحسناً بـ 8.2 نقطة، منتقلاً من تصنيف A إلى AA، مدفوعاً بتحسن بيئي كبير بلغ 32 نقطة، مما يعكس استثماراته في كفاءة الطاقة والمباني الخضراء. كما حافظ البنك الوطني الكويتي على زخم التحسن المستمر بإضافة 8.15 نقطة إلى رصيده، منتقلاً من A+ إلىAA+، مع تحسن متوازن عبر المحاور الثلاثة.
وسجل بنك برقان تحسناً بـ 6.85 نقطة من A+ إلى AA، والبنك التجاري الكويتي بـ 7.3 نقطة من BB إلى A، مما يؤكد أن القطاع المصرفي الكويتي يشهد تحولاً حقيقياً نحو دمج الاستدامة في صميم استراتيجياته.
تباين واضح في الأداء القطاعي
أظهر التحليل القطاعي تبايناً ملحوظاً في مستويات الالتزام بالاستدامة، حيث تصدر قطاع الخدمات اللوجستية والنقل بمتوسط درجة 79.13، ممثلاً بشركة أجيليتي التي حققت تصنيف A+ بفضل أدائها البيئي القوي ودرجة 86.0 في المحور البيئي.
وحل قطاع التكنولوجيا والاتصالات في المرتبة الثانية بمتوسط 76.95 نقطة، مدفوعاً بأداء قوي من زين وأوريدو الكويت وstc الكويت، حيث أظهرت الشركات الثلاث التزاماً واضحاً بالحد من البصمة الكربونية وتعزيز الشمول الرقمي وحماية البيانات.
أما قطاع الخدمات المالية، الذي ضم 15 شركة، فسجل متوسطاً قدره 70.59 نقطة، مع تفاوت كبير بين الشركات، حيث تراوحت الدرجات من 87.75 (البنك الوطني) إلى 56.9 (مجموعة أرزان المالية). ويعكس هذا التباين الفجوة بين البنوك الكبرى التي تبنت استراتيجيات استدامة شاملة، والمؤسسات المالية الأصغر التي لا تزال في مراحل مبكرة من رحلة الاستدامة.
وسجل قطاع العقارات والإنشاءات متوسط 69.35 نقطة، بقيادة شركة مباني التي حققت تصنيف A بدرجة 70.7، فيما جاء قطاع الصناعات التحويلية والكيماويات بمتوسط 61.54، وقطاع الرعاية الصحية والأدوية بمتوسط 52.18.
قيادة محدودة وفرص للتحسين
كشف التوزيع التصنيفي عن تركز الأداء المتميز في عدد محدود من الشركات، حيث حصلت شركة واحدة فقط على تصنيف AA+ (البنك الوطني)، و3 شركات على تصنيف AA (برقان، بوبيان، زين)، وشركة واحدة على A+ (مخازن).
وشكلت فئة A النسبة الأكبر بـ 9 شركات (35% من الشركات المُقيّمة)، تضم بنوك وشركات خدمات مالية واتصالات، مما يعكس التزاماً أساسياً بمعايير الاستدامة لكن مع فجوات في الإفصاح والتطبيق.
فيما حصلت 5 شركات على تصنيف BBB، وشركتان على BB، و4 شركات على B، مما يشير إلى حاجة ملحة لتعزيز الإفصاحات وتطوير استراتيجيات استدامة أكثر شمولية. ولفت الانتباه حصول مجموعة الصناعات الوطنية على تصنيف D بدرجة صفر، نتيجة عدم توفر تقارير استدامة أو إفصاحات بيئية واجتماعية وحوكمة.
التميز في المحاور الثلاثة: البيئة والمجتمع والحوكمة
على مستوى المحور البيئي، تصدر البنك الوطني الكويتي بدرجة 91.5، تلاه زين بـ 90.0، ثم بنك بوبيان بـ 87.5، مدفوعة بمبادرات خفض الانبعاثات، واستخدام الطاقة المتجددة، وإدارة النفايات والمياه.
وفي المحور الاجتماعي، حقق البنك الوطني 84.0 نقطة، متفوقاً في الاستثمار المجتمعي والتدريب والتنوع، بينما سجل بنك برقان 81.0، وزين 77.5.
أما في محور الحوكمة، فتصدر البنك الوطني أيضاً بـ 89.5 نقطة، يليه بنك برقان بـ 83.0، مدفوعين بشفافية الإفصاح، واستقلالية مجالس الإدارة، ومكافحة الفساد، والتمويل المستدام.
منهجية مناخ: معيار عالمي بنكهة محلية
يعتمد مؤشر مناخ على منهجية مناخ للاستدامة، وهي إطار عمل شامل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يستند إلى أفضل المعايير العالمية بما في ذلك GRI، TCFD، SASB وتطبق المنهجية أوزاناً قطاعية مخصصة لضمان العدالة والدقة في التقييم، حيث تُعطى الأولوية للمحور البيئي في قطاعات الطاقة والنقل، وللحوكمة في القطاع المالي، وللمحور الاجتماعي في قطاعات الاتصالات والرعاية الصحية.
كما يتضمن التقييم مقياس المخاطر والجدل (R&C)، الذي يرصد الحوادث البيئية والاجتماعية والحوكمة السلبية، مما يضمن تقييماً متوازناً يعكس الأداء الفعلي وليس فقط الإفصاحات.
رسالة واضحة: الاستدامة ليست خياراً
تؤكد نتائج مؤشر مناخ 2024 أن الاستدامة أصبحت ضرورة استراتيجية وليست مجرد مبادرة طوعية. فالشركات الرائدة لم تكتفِ بالإفصاح، بل دمجت الاستدامة في صميم استراتيجياتها، من خلال أهداف مناخية طموحة، وتمويل أخضر، وحوكمة قوية، واستثمار مجتمعي فعّال.
وتُظهر قصص النجاح الملهمة للشركات التي حققت تحسناً كبيراً أن التحول نحو الاستدامة ممكن لجميع الشركات بغض النظر عن حجمها أو قطاعها، وأن الالتزام الجاد والإفصاح الشفاف يُكافأ بتحسن ملموس في التصنيفات والسمعة.
وفي الوقت نفسه، تكشف النتائج عن فجوة كبيرة بين الشركات الرائدة والمتأخرة، مما يستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات التنظيمية والمستثمرين لتشجيع الشفافية ومكافأة الأداء المتميز.
ومع توجه الكويت نحو تحقيق رؤية 2035 والحياد الكربوني بحلول 2060، يمثل مؤشر مناخ أداة حيوية لقياس التقدم، وتحفيز المنافسة الإيجابية، وتوجيه رأس المال نحو الشركات الأكثر استدامة ومسؤولية.